سيد محمد طنطاوي
337
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - * ( بَلى إِنَّ رَبَّه كانَ بِه بَصِيراً ) * إيجاب لما نفاه ، وإثبات لما استبعده ، وجملة « إن ربه » بمنزلة التعليل لما أفادته بلى من إبطال لما نفاه . أي : ليس الأمر كما زعم من أنه لن يبعث ولن يرجع إلى ربه . . . بل الحق الذي لا يشوبه باطل ، أن هذا الشقي سيرجع إلى ربه يوم البعث والنشور ، ليجازيه على أعماله ، لأنه - سبحانه - كان - وما زال - عليما بأحوال هذا الشقي وغيره ، إذ لا يخفى عليه - سبحانه - شيء في الأرض ولا في السماء . فالمراد بالبصر هنا : العلم التام بأحوال الخلق . ثم أقسم - سبحانه - ببعض مخلوقاته ، على أن مشيئته نافذة ، وقضاءه لا يرد ، وحكمه لا يتخلف . فقال : * ( فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ . واللَّيْلِ وما وَسَقَ . والْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ . لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) * . والفاء في قوله * ( فَلا أُقْسِمُ ) * واقعة في جواب شرط مقدر ، وهي التي يعبر عنها بالفصيحة ، و « لا » مزيدة لتأكيد القسم ، وجوابه « لتركبن » . والشفق : الحمرة التي تظهر في الأفق الغربي بعد غروب الشمس ، وهو ضياء من شعاعها ، وسمى شفقا لرقته ، ومنه الشفقة لرقة القلب . والوسق : جمع الأشياء ، وضم بعضها إلى بعض . يقال : وسق الشيء يسقه - كضرب - إذا جمعه فاجتمع ، ومنه قولهم : إبل مستوسقة ، أي : مجتمعة ، وأمر متسق . أي : مجتمع على ما يسر صاحبه ويرضيه . واتساق القمر : اجتماع ضيائه ونوره ، وهو افتعال من الوسق . وهو الجمع والضم ، وذلك يكون في الليلة الرابعة عشرة من الشهر . أي : أقسم بالحمرة التي تظهر في الأفق الغربي ، بعد غروب الشمس ، وبالليل وما يضمه تحت جناحه من مخلوقات وعجائب لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى - وبالقمر إذا ما اجتمع نوره ، واكتمل ضياؤه ، وصار بدرا متلألئا . وفي القسم بهذه الأشياء ، دليل واضح على قدرة اللَّه - تعالى - الباهرة ، لأن هذه الأشياء تتغير من حال إلى حال ، ومن هيئة إلى هيئة . . فالشفق حالة تأتى في أعقاب غروب الشمس ، والليل يأتي بعد النهار ، والقمر يكتمل بعد نقصان . . . وكل هذه الحالات الطارئة ، دلائل على قدرة اللَّه - تعالى - . وقوله - سبحانه - * ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) * جواب القسم - كما سبق أن أشرنا - .